--------------------------------------------------------------------------------
الشريف الرضي..صاحب الفضائل والكبرياء
محمد بن الحسين بن موسى، أبو الحسن، الرضي العلوي الحسيني الموسوي،
أحد شعراء العصر العباسي، واحد علماء عصره في الدين واللغة والأدب، يقول عنه القدماء أنه كان أشعر قريش، لأن المجيد منهم ليس بمكثر والمكثر ليس بمجيد، أما هو فقد جمع بين الإكثار والإجادة.
لقب الشريف الرضي بهذا اللقب لأنه كان نقيباً للأشراف، وينتهي نسبه إلى الحسين بن علي ابن أبي طالب، كما كان نقيب الطالبين نسبة إلى آل طالب المطالبين بالخلافة، وتقول عنه كتب التراث أنه كان مهيباً بالغ الاعتداد بشخصيته، وأنه صاحب الفضائل الشائعة والمكارم الذائعة.
النشأة
ولد الشريف الرضي ببغداد عام 359 ه - 969م، كان والده صاحب مكانة عظيمة عند الخلفاء العباسيين، تولى نقابة الطالبيين وإمارة الحج، وديوان المظالم وكان عالماً ورع عادل، وجاء من بعده ابنه الشريف الرضي ليتولى مهام والده، ومثلما كان الوالد كان الابن صاحب هيبة ومكانة رفيعة، وتوطدت صلة الشريف الرضي بالأمراء فاتصل ببهاء الدولة والذي أنعم عليه بالعديد من الألقاب منها الشريف الجليل، وذو المنقبتين، كما لقب بنقيب النقباء عقب توليته النظر بأمور الطالبيين بجميع أنحاء البلاد.
عرف الشريف الرضي بعلمه الواسع حيث نهل من العلم منذ الصغر فقرأ القرآن الكريم وحفظه وهو مازال صغيراً، وتعلم الفقه على يد شيخ الإمامية وعالمها أبي عبد الله محمد بن النعمان، ودرس النحو على يد ابن السيرافي النحوي، واللغة على يد ابن جني، فانكب على اللغة والدين ينهل العلم من خلالهما.
شعره
كان الشريف الرضي عزيز النفس صاحب كبرياء، وانعكس ذلك في شعره الذي جاء مترفعاً ومعتزاً به وبشخصيته، رفض استغلال شعره من اجل التكسب، فلم تكن علاقته بالملوك والأمراء علاقة الشاعر الذي يسرد على مسامعهم الشعر فيجزلوا له العطايا والهبات، وإنما كان يسمو بشعره وكانت علاقته بالملوك علاقة صداقة واحترام، تمتع عندهم بهيبة عظيمة، ولقب عندهم بالرضي ذي الحسنيين.
ونذكر من شعره الدال على اعتزازه بنفسه:
عَطفاً أَميرَ المُؤمِنينَ iiفَإِنَّنا
في دَوحَةِ العَلياءِ لا نَتَفَرَّقِ
ما بَينَنا يَومَ الفَخارِ تَفاوُتٌ
أَبَداً كِلانا في المَعالي مُعرِقُ
إِلّا الخِلافَةَ مَيَّزَتكَ iiفَإِنَّني
أَنا عاطِلٌ مِنها وَأَنتَ مُطَوَّقُ
تمتع شعر الشريف الرضي بجودة الألفاظ وحسن صياغتها وديباجتها وخلوها من عيوب التعبير أو سقطات اللغة، بالإضافة لبعدها عن التكلف والابتذال، ونظم الشعر في مختلف الأغراض الشعرية وأجاد بها جميعاً، وظهر في أسلوبه الشعري تمجيده لمعاني الفخر والكبرياء، والطموح والفروسية، بالإضافة للفخر بالآباء والأجداد، والحب والغزل وقد حرص الشريف الرضي أن يؤكد على معاني العفاف في غزله، كما جاء في شعره البكاء على الأهل والأحباب ووصف تقلبات الزمان.
الغوص في أشعار الشريف الرضي
نجد أن الجانب الديني الذي غلف حياة الشريف الرضي قد ألقى بظلاله بشكل أو بأخر على أشعاره، وبالنظر إلى شعر الشريف الرضي نجده قد نظم القصائد في مختلف الأغراض الشعرية فقدم أشعار في المدح والفخر والرثاء والغزل والزهد، وقد شهدت قصائده على مدى التزامه فابتعد مدحه عن المبالغة والتملق من أجل التكسب، وابتعد غزله عن الفحش والعبث، كما ابتعد عن الهجاء فكان شاعر راقي ملتزم.
وبالمرور سريعاً على الأغراض الشعرية للشريف الرضي نجده في "الفخر" اتجه للفخر بنسبه الشريف وأجداده العظام الذي ورث منهم الأخلاق العالية الرفيعة والفضائل والقيم.
إِنَّ أَميرَ المُؤمِنينَ iiوالِدي
حَزَّ الرِقابَ بِالقَضاءِ iiالفاصِلِ
وَجَدِّيَ النَبيُّ في آبائِهِ
عَلا ذُرى العَلياءِ iiوَالكَواهِلِ
فَمَن كَأَجدادي إِذا iiنَسَبتَني
أَم مَن كَأَحيائِيَ أَو قَبائِلي
مِن هاشِمٍ أَكرَمِ مَن حَجَّ وَمَن
جَلَّلَ بَيتَ اللَهِ iiبِالوَصائِلِ
قَومٌ لِأَيديهِم عَلى كُلِّ iiيَدٍ
فَضلُ سِجالٍ مِن رَدىً iiوَنائِلِ
أما "المدح" فلم ينظر إليه الشريف الرضي كوسيلة للتكسب مثل الكثير من الشعراء، الذين يمدحون الأمراء والملوك أملاً في العطايا والهدايا، بل وظف شعره في مدح رسول الله، وآل البيت، وما كان غير ذلك في المدح فكان لخلفاء وأمراء رأى الشاعر أنه متساوي في نفس المكانة معهم ونداً لهم، كما مدح أباه وأساتذته.
ويكاد يخلو ديوان الشريف الرضي من الهجاء، وفي "الغزل" كانت قصائد الشريف الرضي الغزلية تخلو من الفجور والمجون، فقدم قصائد غزلية عفيفة غير فاحشة تذوب رقة وعذوبة، وقد انعكست الحياة الملتزمة التي عاشها الشريف الرضي على شعره، فظهر صادقاً ملتزماً، مما قاله في الغزل:
أَقولُ وَقَد أَرسَلتُ أَوَّلَ iiنَظرَةٍ
وَلَم أَرَ مَن أَهوى قَريباً إِلى iiجَنبي
لَئِن كُنتُ أَخليتُ المَكانَ الَّذي iiأَرى
فَهَيهاتَ أَن يَخلو مَكانُكَ مِن قَلبي
وَكُنتُ أَظَنَّ الشَوقَ لِلبُعدِ iiوَحدَهُ
وَلَم أَدرِ أَنَّ الشَوقَ لِلبُعدِ وَالقُربِ
خَلا مِنكَ قَلبي وَاِمتَلا مِنكَ خاطِري
كَأَنَّكَ مِن عَيني نَقَلتَ إِلى iiقَلبي
وقال أيضاً
خَلَونا فَكانَت عِفَّةٌ لا iiتَعَفُّفٌ
وَقَد رُفِعَت في الحَيِّ عَنّا المَوانِعُ
سَلوا مَضجَعِ عَنّي وَعَنها فَإِنَّنا
رَضينا بِما يُخبِرنَ عَنّا iiالمَضاجِعُ
ويزخر ديوان الشريف الرضي بالرثاء، فرثى أحبائه وأساتذته وظهرت قصائده في الرثاء تفيض بالعواطف والمشاعر الجياشة، وقدم قصائد رائعة في رثاء "الحسين" رضي الله عنه.
رثاء "سيد شباب أهل الجنة"
كَربَلا لا زِلتِ كَرباً وَبَلا
ما لَقي عِندَكِ آلُ iiالمُصطَفى
كَم عَلى تُربِكِ لَمّا iiصُرِّعوا
مِن دَمٍ سالَ وَمِن دَمعٍ جَرى
وكان الشريف الرضي شديد الإعجاب بأبي الطيب المتنبي، فكان مطلعاً على شعره مقتفياً لأثاره، وقد عارض الرضي أحد قصائده، وولع بالكثير من معانيه وعباراته.
مؤلفاته
ترك الشريف الرضي مؤلفات قيمة تدل على سعة علمه من مؤلفاته نذكر: ديوان شعر ضخم في مجلدين، المتشابه في القرآن، مجازات الآثار النبوية، نهج البلاغة للإمام علي "وهو عبارة عن تجميع وتصنيف لخطب وأقوال الإمام علي"، تلخيص البيان عن مجازات القرآن، الخصائص، الحسن من شعر الحسين " مختارات من شعر ابن الحجاج" في ثمانية أجزاء، أخبار قضاة بغداد، ورسائل الشريف الرضي في ثلاث مجلدات، وكتاب سيرة والده، ومختار شعر الصابئ، ومجموعة ما دار بينه وبين أبي إسحاق الصابئ من الرسائل.
من قصائده الشهيرة "يا ظبية البان" ويقول فيها:
يا ظَبيَةَ البانِ تَرعى في خَمائِلِهِ
لِيَهنَكِ اليَومَ أَنَّ القَلبَ iiمَرعاكِ
الماءُ عِندَكِ مَبذولٌ لِشارِبِهِ
وَلَيسَ يُرويكِ إِلّا مَدمَعي الباكي
هَبَّت لَنا مِن رِياحِ الغَورِ iiرائِحَةٌ
بَعدَ الرُقادِ عَرَفناها iiبِرَيّاكِ
ثُمَّ اِنثَنَينا إِذا ما هَزَّنا iiطَرَبٌ
عَلى الرِحالِ تَعَلَّلنا بِذِكراكِ
سَهمٌ أَصابَ وَراميهِ بِذي سَلَمٍ
مَن بِالعِراقِ لَقَد أَبعَدتِ iiمَرماكِ
وَعدٌ لِعَينَيكِ عِندي ما وَفَيتِ iiبِهِ
يا قُربَ ما كَذَبَت عَينيَّ iiعَيناكِ
الوفاة
توفي الشريف الرضي ببغداد عام 406 ه - 1015م .